ابن خلدون

166

تاريخ ابن خلدون

الأحمر للامر وخالف ابن هود في دعوته فدعا هؤلاء لابن أبي حفص صاحب أفريقية من الموحدين وقام بالأمر وتناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمون الرؤساء ولم يحتج لأكثر منهم لقلة العصائب بالأندلس وإنها سلطان ورعية ثم استظهر بعد ذلك على الطاغية بمن يجيز إليه البحر من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة والرياط ثم سما لصاحب من ملوك زناتة أمل في الاستيلاء على الأندلس فصار أولئك الأعياص عصابة ابن الأحمر على الامتناع منه إلى أن تأثل أمره ورسخ وألفته النفوس وعجز الناس عن مطالبته وورثه أعقابه لهذا العهد فلا تظن أنه بغير عصابة فليس كذلك وقد كان مبدأه بعصابة إلا أنها قليلة وعلى قدر الحاجة فإن قطر الأندلس لقلة العصائب والقبائل فيه يغني عن كثرة العصبية في التغلب عليهم والله غني عن العالمين الفصل العاشر في أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد وذلك أن الملك كما قدمناه إنما هو بالعصبية والعصبية متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرهما جميعا في ضمنها وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول وسره أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاج للمتكون والمزاج إنما يكون عن العناصر وقد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا بل لا بد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلفها وتصيرها عصبية واحدة شاملة لجميع العصائب وهي موجودة في ضمنها وتلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم ولا بد من أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم فيتعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها وإذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم ويجئ خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت فتجدع حينئذ أنوف العصبيات وتفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم